الوعـــــــــــــــــي الــــفلـــــــــســــــــــفــــــــــــي


الواقع والفكرة في فلسفة هيجل

كتبهاعبد الإلاه بوعلي ، في 23 يونيو 2008 الساعة: 09:57 ص

 
        إن القارئ الجيد والمتأمل في فكر وفلسفة هيجل ، هذا الفيلسوف العظيم (1770-1830) لا يخالجه شك في أن الرجل قد توج الفلسفة الإنسانية والألمانية على وجه الخصوص بفكر جعله يعتبر أنه ‘ الفكر المطلق ‘ أو الفلسفة المطلقة التي قال عنها هو نفسه أنه لا توجد فلسفة بعدها. لكننا نتساءل هنا في هذه الورقة عن شيئين أساسيين شغلا بال هيجل ودافع عنهما وتحدث عنهما، الفكرة والطبيعة ، العقل / الواقع ، ما هو كائن ، ما نعيشه . وكان هيجل يعيشه وما نحلم به ، ما هو كائن جاثم علينا وما هو ممكن / ممكن أن نصنعه كنموذج أفضل.
        إن سؤالي في هذه الورقة سيكون : كيف كان هيجل ينظر إلى الواقع ؟ وكيف كان ينظر إلى العقل ؟ كيف كان ينظر إلى الطبيعة ، أو كيف كان ينظر إلى الفكرة؟
 
الطبيعة /الواقع عند هيجل :
        لا يمكن فهم الواقع بعيدا عن الواقع ، ولا يمكننا فهم وجهة وفلسفة هيجل إلا إذا عرينا وكشفنا الغطاء عن هذا الواقع وعرفنا كيف كانت حالته ، إذن لنتساءل كيف كان حال و ‘واقع’ هيجل سياسيا واجتماعيا ؟
سياسيا :
       لقد كانت بروسيا مملكة ضعيفة منهارة سياسيا ، لقد أصيب القوميون الألمان بخيبة أمل كبيرة في أعقاب فشل ثورات 1848 أمام قوة الجيوش النمساوية ، كما أنها لم تسلم من الغزو الفرنسي الذي كانت جيوشه مستعمرة لهذه المملكة الصغيرة أمام امبراطوريات كبرى كالنمسا – فرنسا – بريطانيا ، وغيرها من الدول الكبرى . لقد كانت إذن الطبيعة مسخة والواقع مزريا سياسيا ، كان هناك تشردم وضعف وانقسام صراع داخلي ، فوضى كبيرة عرفتها هذه المملكة الصغيرة منذ 1542 ثورة الفلاحين والإصلاحات الهامة مع ‘لوثر’.
            لقد كانت إذن ‘بروسيا ‘ مسرحا للدمار والخراب ، هكذا إذن كانت الطبيعة وكان الواقع ، واقع ينبغي النفور منه ! لكننا نتساءل ما موقف هيجل ؟
          لقد اعتبر هيجل أن حالة الطبيعة عي حالة عنف وجور ، يجب على الناس للخروج من هذه الحالة من أجل تكوين مجتمع يشكل دولة آنذاك فقط تصبح علاقة القانون مالكة لوجود فعل.
            إن هيجل في حالة عدم الرضى على هذا العنف وعلى هذا الجور وعلى هذه الطبيعة وهذا الواقع ، هذا الكائن الجاثم على بروسيا وعلى هذه الأمة العظيمة. واقع ينبغي تغييره.
 
اجتماعيا :
             لم تكن الحالة الاجتماعية أحسن وضعا في بروسيا ، فقد أدت حالات للحروب والصراعات إلى اضطرابات اجتماعية هجرات ، قتلى. انعكست هذه الحالة الاجتماعية على الحالة الاقتصادية فعرفت بروسيا مجاعات وأزمات اقتصادية خلفت التشردم والبؤس والفقر وحالات النهب والسرقة. كانت بروسيا كلها تعيش هذا الاضطراب الاقتصادي ، السياسي والاجتماعي .
        إذن كانت الطبيعة مسخة قبيحة، وحش ، عنف ، صراع ، خراب ، كان فيها الإنسان في حالة حرب ، الكل ضد الكل ، لم يكن يعرف فيها الإنسان السعادة والأمن والراحة ، بل كان يعيش الأذى ، يتصارع إذا كان قويا ويستخدم الحيلة والمكر والخداع إذا كان ضعيفا. إنها حالة لا بد من الخروج منها ، لكن كيف ؟
 
الفكرة في فلسفة هيجل :
          لقد عاد هيجل إلى تغيير هذا الواقع ، تغيير هذه الطبيعة ! لكن كيف ؟ دعا إلى الفكرة ، هذا الممكن ، لقد كان يعيش الفيلسوف الألماني أزمة بادية من خلال كتاباته، وهو يلاحظ هذا الواقع ‘الرذيء’ المزري الذي ينبغي تغييره ، بماذا ؟ بالفكرة. إن الفكرة هنا هي النموذج الذي ينبغي تتبعه والإقتداء به ، الفكرة كواقع فرنسا مثلا التي كانت تعرف ثورات مهمة سواء فكرية مع فلاسفة الأنوار أو ثورات سياسية 1789 التي دخلت من خلالها فرنسا إلى العالمية وعرفت قوة سياسية كبيرة وحرية وإخاء ومساوات. لقد كانت فرنسا النموذج المثالي أو الفكرة لفيلسوفنا ”هيجل ” ، فهي عرفت التقدم سياسيا فهي امبراطورية كبيرة . وقد دعا هيجل إلى بناء الدولة القوية الجبارة التي تقضي على كل الصراعات ، كل التشردم وهي تدعو إلى تغيير الواقع ، تغيير هذه المملكة الضعيفة بدولة جبارة تسود وتحكم . كان يدعو كذلك إلى تغيير الطبيعة بفكرة الدخول في الثقافة . هذه الحالة التي قال عنها هيجل حالة تهيمن عليها الإرادة العاقلة.
        لقد كان الممكن عند هيجل أمرا ضروريا لا بد منه للخروج من هذه الحالة . كانت الفكرة ليس مثالا ينبغي قوله والإيمان به والكتابة عنه، بل كان مطلبا أساسيا ينبغي تفعيله. كانت كتابته كلها تدور على هذه الفكرة: لا بد من الانتقال من هذا الواقع المزري وهذه الطبيعة ”المتوحشة” إلى الفكرة القوية ، الجميلة ، فكرة الدولة الثابتة القوية. أي أنه لا بد من التغيير والوجود في المطلق ، هذا الذي لا يوجد أي شيء بعده.
           لقد كره هيجل حتى الطبيعة، فلم يعتبرها أبدا مصدر الجمال ، في الفن مثلا وفي كتابه ‘المدخل إلى علم الجمال ‘ يعتبر هيجل أن المحاكاة ليست مصدر الجمال حتى ولو كانت متقنة كما فعل ‘زوكسيس’ عندما خدع الطيور برسمه لعنب يشبه الواقع ( الطبيعة). أو كما فعل براكسياس عندما رسم ستارا خدعه هو نفسه.
        صحيح أن هيجل كان ينتقد المحاكاة ، لكنه وهو ينتقد المحاكاة ، كان ينتقد الطبيعة معها ، لماذا؟
           لأنه سيغيرها بالإبداع الفني ، الإبداع الفني كفكرة جميلة وقوية حاضرة دائما ثابتة لا تتغير، الإبداع هنا خروج عن هذه الطبيعة التي مهما بلغت من الجمال فلن تبلغ جمال الفكرة ذاتها لأن الجمال نفسه لا يوجد في الطبيعة . فالجمال هو في الأصل فكرة ، ماهيته مطلقة غير حاضرة كليا في الطبيعة، هذا ما قاله سقراط عند ما كان يحاور ‘هيبياس’ وطرح عليه سؤال : ما الجمال؟
          إن الجمال عند هيجل وسقراط لا يوجد إلا في الفكرة وغير متجسد في الواقع. هو ممكن وليس كائن، إن كل ما هو كائن متغير ، نسبي ، فاسد . أما ما هو ممكن دائما هو ثابت / عقلي / وهو كذلك. فهو في نفس الوقت واقعي ، لماذا ؟
        يقول هيجل : إن كل ما هو واقعي ، هو عقلي، وكل ما هو عقلي هو واقعي. العقل والواقع هنا ليس ككائن ، كحاضر. وإنما كممكن ، كصورة ، كمثال لا ينبغي النظر إليه والتأمل فيه والحديث عنه كما فعل أفلاطون، بل ينبغي تطبيقه ورسمه وتجسيده ، لكن بواسطة ما ذا ؟
سيجيبنا نيتشه كخليفة لهيجل ، بإرادة القوة ! وبواسطة الإنسان العلي .
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات فلسفية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر