نحو فلسفة للجسد
كتبهاعبد الإلاه بوعلي ، في 21 يونيو 2008 الساعة: 17:31 م
الجسد، لماذا ؟
تكاد تكون كل المعارف والكتب الدينية الفكرية وحتى الأدبيات التي تهتم بالميثولوجيا والأساطير ، الثقافة الشعبية تهتم بما هو فكري روحي تعلي من شأنه، تجعله الأعلى الأرقى الذي يعبر عن إنسانية الإنسان. بل وعظمة الخالق الأعلى أحيانا. تجعله مقدسا في مقابل الجسد ، هذا المدنس الحيواني / المشوه ، هذا المسخ الأدنى الذي ينبغي محاربته أو تهميشه. لماذا هذه الثنائية ، ولماذا هذا التقسيم في الفكر وفي الدين وفي الثقافة ؟ لماذا نعلي كل ما هو فكري / نربطه بالروح ، نجعله مقدسا لا ينبغي تدنيه ، وندي كل ما هو بدن/ جسد/ جسم / مادة نعتبره أنه شيء سفلي فاسد ينبغي التحقير به والتقليل من شأنه ، ألا يستحق الجسد منا اعترافا بالجميل وهو الذي طول حياته ظل وفيا لنا، لروحنا ؟ أليس الجسد كذلك حضور في وعينا وفكرنا ؟ ألا يستحق منا كلمة شكر وكلمة اعتذار ؟ ثم لماذا هذا التهميش ؟ ولماذا هذا الإقصاء ؟ ولماذا هذه العبثية ؟!؟
فكرة الجسد في الميثولوجيا والفكر الديني:
يكاد ينعدم حضور الجسد في الفكر الديني ، فهو الصنم / الإله الحرام الذي ينبغي محاربته والتقليل من شأنه وهو كذلك الجسد / الرذيلة الذي ينبغي تصفيتها وفتنها وتطهيرها من الخطيئة والرذيلة ، ينبغي التضحية بها في سبيل الروح. وهذا الجسد/ العائق نحو الاتحاد بالملكوت الأعلى بالذات الإلهية الصافية الخالدة / العائق من الحلول في ذات خالدة / سرمدية.
في الفكر الإسلامي ، يمنع منعا كليا التجسيد والتجسيم فهو حران ، لأنه يدخل في الشرك، فالله هو الذي من حقه أن يضع ”الجسد” وأن يجسد ، أما ما دونه فهو شرك بالله وتدخل في عمل رباني وتعد على الذات الإلهية ، لهذا كان موقف الفكر الإسلامي من المنحوتات موقفا سلبيا فهي فارغة من روح، من معنى ،خارج صناعة الإله ، إنها صناعة البشر .بهذا كانت شيئا ينبغي تحريمه. لقد ارتبط مفهوم الجسد في الفكر الإسلامي بمفهوم الصنم، فالرسول عندما أتى إلى الأمة دعا إلى توحيد الله ونبذ كل الأجسام ( الأصنام) التي كانت تشارك الله في وحدانيته وربوبيته وتقاسمه القداسة. والإسلام موقفه صريح من الأصنام ، فقد دعا إلى نبذها وإحراقها وتهميشها لأنها مدنسة وليست شيئا مقدسا.
حتى الميثولوجيا الدينية كانت دائما تحارب الجسد ، خذ مثلا مفهوم ” العجل” ( عجل السامري ) هذا العجل / الجسد الذي فتن قوم موسى به وضلهم عندما كانوا يعبدونه ، انظر كيف كان مصيره ومصير قومه ومصير صاحبه ، لقد أحرق وحورب صاحبه وحكم عليه بالتيه وحكم على قومه بالشتات في الأرض.
أما الكنيسة ، فقد غالت في طرد هذا المفهوم من الواقع / والفكر / والحياة . اعتبرته شيئا مدنسا إلى درجة القرافة منه ، فهو الجسد / الرذيلة/ الخطيئة ، كان المسؤول عن الخروج من الجنة والطرد منها. لماذا ؟ لأنه اشتهى الفاكهة وعصا الروح الخالدة ، وعصا الوصاية العظيمة التي وكلت إليه. لقد كان الجسد خائنا للروح ووفيا للذة، للرغبة للغريزة، لذا حكم عليه بالنفي لأنه لم يستطع الصبر ، لم يستطع أن يتحمل ثقل الروح ، عندما نزل إلى الأرض ، نزل إلى الدنيا الدرجات السفلى (الدركات) أصبح ليس مرتبطا بالمقدس بل أصبح مدنسا مرتبطا بالشرور والآثام، مجبر أن يعاقب وأن يتحمل ثقل العقاب أن يفتن نفسه ليخرج وليحقق الخلاص. حتى ولو كان الثمن دفن هذا الجسد حيا لترضى الروح عليه. وما زاد الطين بلة في الفكر الكنسي هو مأساة المسيح ؛ العذاب والصلب الذي تتحدث عنه الكنيسة ، لقد كان المسيح عليه السلام مخلصا للروح، ضحى بالجسد من أجل صفاء الروح وطهارتها . صلب، تحمل العذاب والشقاء من أجل الخلاص فكان هو الخلاص. هذه الفكرة هضمتها الكنيسة ، فكان المبدأ عندها تحويل الجسد إلى وسيلة، إنه الطريق إلى الخلاص بواسطة العذاب. انظر مثلا إلى الرسوم في العهد الكنسي أو عندما كانت أوربا تعيش عصر الظلمات ، لقد كان محضورا رسم الوجه ورسم الملامح والتفنن فيها وإتقانها ، كان يسمح برسم يبين الإنسان ذليلا في هذا الجسد الذي يجعله مقهورا يتوق إلى الانعتاق وكأنه في سجن، لقد كان الجسد فعلا سجينا أو كان سجانا يسجن الروح التواقة إلى الحرية.
هكذا نجد إذن أن الفكر الديني لم يعط الفرصة لهذا الجسد في الانعتاق من السجن الذي وضعه فيه الفكر ووضعته فيه الروح . لقد كان عبدا لسيد هو الفكر / الروح . حتى الفكر الذي انبثق من هذا الاعتقاد كان محاربا للجسد ولم يختلف كثيرا عنه ، وسنحاول أن نرى ذلك في : الفكر الصوفي / الشيعي، وفي الثقافة الشيعية.
الجسد في الفكر الصوفي والثقافة الشيعية:
الفكر الصوفي لم يكن أقل مازوشية من المازوشية نفسها ، فهو دعا إلى نبذ كل مظاهر الترف والزينة والرفاه لهذا الجسد ودعا في المقابل إلى العذاب الخلاص / الانعتاق . لقد حارب الفكر الصوفي الجسد وجعله عدوه في الدنيا وفي الآخرة ، جعله عائقا نحو الاتحاد والحلول بالذات الربانية : حرمه من كل ما هو جميل وما هو حسن، وما هو ممتع، في اللباس مثلا حرم الصوفية الجسد من حقه في أن يظهر بمظهر جميل فأمروا أنفسهم وأجسادهم بلباس الصوف الخشن ، هذا الذي يثقل الجسد ويزيد في قبحه وعذابه وينزل به من الدرجات العلى إلى الدركات السفلى. ثم الأكل مثلا ، فقد فضل الصوفية نكاية في هذا الجسد الامتناع عن الملذات والشهوات وجعلوها لذة حيوانية مرتبطة ومشاركة مع الحيوانات الخسيسة واكتفوا بشظف العيش ، ما يحقق الكفاف فقط دون اللذة، فهي عندهم الأذى الذي لا يحتمل . انظر إلى الحلاج مثلا في فكرة الجسد ، فقد كره هذا الجسد وجعله دونا احتقره وأراد الانعتاق منه، أراد الحرية حتى ولو كانت باهظة الثمن . لقد وافق الحلاج على صلبه رغم أن الصلب حرام فهو تعذيب لهذا الجسد . كما أن الثقافة الإسلامية لا تؤمن ولا تعتقد بأن المسيح عليه السلام قد صلب ، لكن مع ذلك طالب بالصلب وقد تم فعلا ذلك لأنه أراد التعجل للتخلص من هذا الجسد الهارئ البالي والالتحاق والاتحاد بالملكوت الأعلى والحلول في ذات إلهية خالدة، ذات ربانية . لقد كانت عند الصوفية ألوان من التعذيب ، تعذيب لهذا الجسد ، حتى طقوسهم الروحية ( هي كذلك ‘ روحية دون جسدية ) تعذب الجسد بدأ من الدوران حول النفس في ساحة كبيرة إلى ما يسمى بالحضرة وما يصحبها من مظاهر العبث بهذا الجسد والانتقام منه كلما سمحت الفرصة بذلك.
اما الشيعة كطائفة أخرى روحية فهي لا تتهاون في تعذيب والتنكيل بهذا الجسد ، هذا الوديع ، انظر قوافل الموت وهي تحيي ذكرى ”كربلاء ” كيف تضرب بالأجراس والسيوف ، والسلاسل هذا الجسد وكيف تضرب باليد على الرأس والصدر ، إنها جنازة كبيرة ليس للإمام علي أو ابن الإمام علي أو آل البيت ، بل هي جنازة لميت حي إنه ‘ دفن الجسد ‘ وإخراجه لكي يدفن من جديد.
هكذا يحتفل الشيعة بالروح، بتعذيب الجسد ، لاحظ أن هذه الثنائية عذاب / احتفال هي الثنائية المسيطرة على الإنسان وهي التي تحدد مصيره. لقد ذكر ‘علي حرب’ ذلك عندما تحدث عن الجسد ‘كطابو’ بالنسبة للمرأة الشيعية والإسلامية عامة والتي لا تظهر من الجسد أي شيء لأنه مركز اللذة / الغواية / الرغبة ، الرغبة بمفهومها القدحي الشيطاني / الدينوسيسي ، الذي ينبغي محاربته وتغطيته، تغطية كل ما يمكن تغطيته.
إن الجسد في الثقافة الشرقية مازال مهمشا سواء عند الصوفية أو الشيعة ، مازال رخيصا ، عملة يشرى بثمن بخس دراهم معدودات حتى ولو كان جسد الأنبياء وأهل الصفة والحظوة، فيوسف بيع في مصر بثمن دراهم معدودات كما بيع السيد المسيح لإمبراطور روما.
الجسد في الثقافة الشعبية:
لم تحد الثقافة الشعبية عن فكرة محاربة الجسد ، بل ظلت وفية للفكر الديني ، وكذلك للمناخ الفكري / الصوفي / الشيعي ، الثقافة الشعبية كانت تدنس كل ما هو مادي ، مرتبط بالخرافة والشعوذة والأسطورة، بالأرواح المقدسة القوية المتعالية، التي تسكن الجسد وتعذبه. لاحظ مثلا في المواسم ، مواسم القداس والأولياء الصالحين كيف يتم التلاعب بالجسد أو تعذيب الجسد ‘فهم’ ‘الروحانيين’ ( أولاد سيدي موسى – أولاد المسيح- الذين لا يقهرون ولا يهزمون، يشربون الماء الساخن ، يأكلون الزجاج، يغمدون في بطونهم السكاكين ، لا يعبأون بلسعات العقارب والأفاعي ، في ”جامع الفنا” بمراكش . تجد هذه الطقوس المقدسة التي تدنس الجسد لا تعترف به. إنه رمز للوسخ والمسخ ، رمز للعبثية ، للمعاقبة من طرف الأرواح التي تسكن هذا الجسد وتطارد صاحبه.
كانت الثقافة الشعبية أكثر سخرية من هذا الجسد ، فقد مثلته وشوهته ، فهو جسد مشوه غالبا ما يأخذ نصف إنسان ونصف حيوان (( ما يسمى بالعروسة )) أو إنسان برجل حيوان ((عيشة قنديشة )) مثلا.
أما فيما يخص طقوس تعذيب الجسد ، فلا تخلو الثقافة الشعبية من مظاهر التعذيب ، لاحظ عندنا ” الحضرة” مثلا ” الجدبة” إنها إفناء للجسد وإحياء للروح ، نفي وحضور ، تقديس وتدنيس ، كلما حضر الجسد غابت الروح وكلما حضرت الروح غاب الجسد !
في العالم العربي مثلا في مصر هناك ” دق الزار” هذا الطقس الذي يتم من خلاله تعذيب الجسد إلى حد فقدان الوعي والغياب عن هذا العالم ، إنها حضرة من نوع خاص ، حضرة للروح وليس للبدن !
هكذا إذن كانت المأساة مأساة الجسد في مقابل الفردوس ، فردوس الروح، لكن المأساة ستستمر حتى في الفكر الفلسفي. والآن لنبحث عن كيف حضر الجسد في الفكر الفلسفي.
الجسد/ سقراط:
حتى سقراط لم ينصف الجسد / أو أنه لم ينصفه الجسد ، لقد كان سقراط بشعا، جسده مضطرب ملامح قوية بارزة منحرفة . لقد قال عراف لسقراط ، وهو مار بأثينا بأنه قبيح وأنه ينطوي على أقبح العيوب وأسوأ الشهوات ! فيه كل شيء زائد عن حده. شبه نفسه بأنه ضفدع(1). لا شك أن سقراط كان عارفا بجسده ومنتقدا له ومنتقما له ، لهذا احترف الكلام والجدل واشتغل بالحكمة وقدس العقل والروح وعاب عن الجسد وعبادة الجسد . تخيل سقراط كما تخبرنا به الأخبار، لقد كان أشعت أغبر يجوب شوارع أثينا بثياب مهلهلة شارد ينام هنا ويأكل هناك ، إذا دعي إلى الطعام لا يهتم بذاته وجسده، يعذبه لآنه لم يكن في مستوى سقراط، لم يكن جميلا كما كان عقله كذلك. كانت الحياة بالنسبة إليه عديمة الفائدة ، ضجر من الحياة ، لقد قال لحظة احتضاره:< ما الحياة سوى مرض عضال >، لقد كان متشائما ، كان مضطربا اضطراب حواسه، ولعل الحكمة كما قال نيتشه لا تظهر على الأرض إلا في شكل غراب يهيجه عفن جيفة مكتوم (2).
لقد كان سقراط ضد الجسد.
ديكارت وثنائية الروح والجسد:
لو تأملت ‘ التأملات’ لديكارت لوجدت أنها كانت أملا وألما ، ذلك أنه لم يوجد فيلسوف حارب الجسد كما حاربه ديكارت، ولن يوجد من أثقل كاهل الجسد بعبارات النقص والتجريح كما تحدث ديكارت عن الجسد.
لقد فاضل ديكارت بين الروح والجسد ، فماذا كانت النتيجة؟
يعتبر ديكارت أن الروح ذات طبيعة غازية روحية مجردة = روح = نفخ الإله، رمز للحياة والخلود والديمومة . أما الجسد فهو تراب ، مادة منحطة ، الجسد مصير ه الزوال والفساد. الروح شيء كلي لا يقسم ولا يجزأ ، يؤخذ كليا أو يعطى كليا في حالة الموت والحياة . أما الجسد فهو رمز للنقص والشر ، رمز للزيادة والنقصان ، رمز للفساد.
الروح صاعدة نحو الأعلى نحو المطلق نحو الخلود، أما الجسد فهو باق هنا ، في هذا العالم فاسد هو آلة محركات لآلات صناعية تحركها لوالب. (3)
مسألة الجسد عند ديكارت مسألة شك وريبة، لم تصل إلى درجة الكوجيطو لم تصل إلى درجة ‘الأنا أفكر’ ، والدليل أن ديكارت قد تخيل نفسه أنه بدون جسم، بدون أعضاء ، قال :< قد أستطيع أن أفترض أن لا حسم لي ولا مكان أحل فيه ، ولكني لا أستطيع لهذا أن افترض أني غير موجود>(4).
إن مسألة الوجود عند ديكارت هنا ليست مرتبطة بالجسد بل إنها مرتبطة بالفكر. هذا الفكر الذي كان مرتبطا بالعقل ، بالروح .إن مسألة الفكر ، مسألة روحية ، الذات المفكرة ذات متعالية عن الجسد، ذاتٌ ذاتٌ طبيعة روحية لا يهمها الجسد بل يهمها الفكر / الروح.
لهذا كانت الكوجيطو إعلانا لولادة الروح وموت للجسد في الفكر الديكارتي.
الهوامش:
(1) : أفول الأصنام : فريدريك نيتشه ، ترجمة خان بورقية – محمد ناجي ، افريقيا الشرق ط1 1996 ص20.
(2) : نيتشه ،نفسه ص 18.
(3) : ديكارت روني : التأملات ، التأمل الثاني.
(4) : نفسه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات فلسفية | السمات:مقالات فلسفية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























