الوعـــــــــــــــــي الــــفلـــــــــســــــــــفــــــــــــي


الكتابة الفلسفية والقلق الوجودي

كتبهاعبد الإلاه بوعلي ، في 19 يونيو 2008 الساعة: 09:08 ص

 
 
         سنحاول في هذه الورقة أن نناقش  ” مفهوم الكتابة الفلسفية والقلق الوجودي”، الكتابة الفلسفية كشيء ومطلب أساسي بالنسبة للتلميذ سواء كان الأمر متعلقا بإنجاز الامتحان الذي هو عامل أساسي للقطع مع مرحلة زمنية والولوج إلى مرحلة زمنية ”دراسية ” أخرى . لكن هنا ، ما دخل القلق الوجودي بالكتابة ؟ ! لقد أضحت الكتابة قلقا وهي فعلا كذلك، ذلك أن كل كتابة تعالج فكرة ، سؤالا ، إشكالا ، تعالج في نهاية المطاف قلقا وجوديا يعيشه ذلك الذي طرح السؤال أو طرح الإشكال ويشارك فيه ذلك الذي يحاول ’الجواب ‘ أو يشارك في السؤال كذلك.
        إن كل كتابة هي قلق، هي إبداع ، هكذا حدث نيتشه؛ إن القلق يولد الإبداع ، وهي الحجرة الأولى في بيت الحكمة،  ’ بيت الكتابة الفلسفية ‘ .
 
القلق والكتابة :
        إن كل كتابة غير قلقة هي كتابة غير صافية ، ولا تعبر عن روح الفلسفة ، تلك الروح النقدية الثائرة، كل كتابة غير قلقة هي كتابة مسترسلة في الزمان والمكان، إنها في الأخير كتابة ”ساذجة” ، لو تأملت الشذرات لوجدت أن كل شذرة مستقلة عن الأخرى ، خذ كتاب نيتشه ” المعلم المرح” ستجد أن كل فكرة قصيرة ، مقالة قصيرة ثائرة متقطعة وغير منتهية ، تثير أكثر مما تثار وتسأل أكثر مما تجيب، تحضر فيها القطيعة بالمعنى الذي تحدث عنه ألتوسير، زمنها النفسي قصير ، وزمنها السردي أقصر كتابة في الآن إذا كان هناك وجود للآن !
        إن الكتابة الفلسفية -وهي على هذا الشكل- كتابة ممتعة ذكية مخادعة ، كتابة ”دينوسيوسية” مراوغة ومخادعة بالنسبة لمن ليس له حب الفلسفة وجه التفكير ، إنها كتابة يقظة، أوليست الفلسفة في آخر المطاف هي اليقظة ؟ !؟
 
الأزمة وولادة الكتابة :
        لقد كانت الكتابة منذ البدء ، منذ  اليونان ، الفراعنة ’ الفارماكون’  Le phormakon الذي يدل في آن معا أو طور واحد على الدواء والسم ، الأذى والمعالجة ، …الخ ، إنها المفارقة ، ذلك أنه داخل الكتابة يمكننا أن نجمع بين مناقضين أو متناقضين هما ” الكتابة الدواء / الكتابة الداء، فالكتابة من جهة سم / عقار ، ومن جهة أخرى فهي دواء / شفاء من حالة والخروج من هذه الحالة، إنها مرض / علة / قلق / أزمة صراع نفسي ” إذا جاز لنا أن نتحدث مع فرويد حول زلات القلم ، هي من جهة أخرى دواء/ شفاء / راحة نفسية ، تداوي كما قال نيتشه.
لكن لو تتبعنا تاريخ الكتابة ، منذ أفلاطون وقيل ذلك منذ سقراط، نجد أن الكتابة كانت أمرا غير مرغوب فيه حقيقة كانت أزمة، فالوسيلة التي كانت تتداول بها المعرفة هي لغة Logos / خطاب، وكان هناك نقل لهذا الخطاب نقل شفوي، من الالهة زيوس إلى الإنسان، وكان المكلف بهذا النقل هو الرسول ” هيرمس”، الذي كان يؤول خطابات الآلهة ، لهذا ارتبطت ”الهرمسة” بالتأويل / الفهم / القراءة.. إذن العملة المتداولة ” الحقيقية” كانت اللغة الشفوية، حتى سقراط نفسه سينظر بازدراء إلى الكتابة الفلسفية ، والدليل أنه لم   يكتب شيئا بل كتب عنه تلميذه أفلاطون.
إذن الكتابة كانت غائبة ، وديريدا في ‘الصيدلية ‘ سوف يتحدث عن ولادة الكتابة ، ويعتبر أن الولادة كانت حدثا عظيما في تاريخ البشرية لكنه خلق أزمة أو كان ولادة / أزمة لماذا ؟
لقد كان الخطاب  ” لغة logos‘ مرتبطا بالآلهة ، فالآلهة هي التي تنتج الكلام أو هي التي تعطي الكلام . وهذه الفكرة ستكون عند  جميع المفكرين / الفلاسفة قبل أفلاطون، ذلك أنهم سيعتبرون أن اللغة معطى إلهي وليست نظاما ، إنها هبة من الآلهة التي علمتنا الكلام. لكن السؤال : هل كانت الكتابة مرتبطة بالآلهة ؟ إن الأمر مختلف.
         في الصيدلة لـ ” ديريدا ” : يذكر دريدا ولادة الكتابة ولادة غير مقدسة ، لم تكن ولادة من الإله ، إن الكتابة ليست بنتا للآلهة ، لقد ارتبطت الكتابة في الأساطير الأوزيريسية  ( نسبة إلى أوزيريس) بـ ” تحوت” وهو كاتب أوزيريس ومحاسبه أيضا . لقد كان أوزيريس  إله الشمس هو سيد الكون ، أما تحوت كان موظفه الأول يقدم تقاريره،  إنه ‘ سيد الكتابة ‘ إنه سيد الكلام الإلهي . لكن لا ننسى في الفيدروس < < المحاورة التي ألقاها أفلاطون عندما كان ما يزال صبيا يتحدث فيها عن الكتابة '' محاكمة للكتابة '' أنه يعاب عليه  ابتكار الكتابة، كونه أصبح يحل الكتابة اللاهثة بدل الكلام الحي >>. (1)
           هذه إذن كانت ولادة الكتابة ، إنها ولادة عسيرة ولادة غير مقدسة ، غير مرغوب فيها، لهذا لقيت معارضة شديدة . فالمقارنة بين الكلام والكتابة  أمر غير مرغوب فيه، بل لا مجال لذلك ، لا مجال للمقارنة بين كلام حي مباشر يخرج من الأفواه ” كلام ساخن ” وما بين كتابة رفعت عنها الأقلام وجفت الصحف، لكن مع ذلك نجد أن الكتابة استمرت لأنها ليست مرتبطة بالإنسان بل بالذاكرة. إنها ذاكرة الشعوب ، إنها بذلك لا تناقش الزمن الحاضر ‘الآن’، لا وجود لكتابة في الآن والحاضر ، بل هي تناقش الماضي ، أحداث قد ولت في الزمن. لهذا لا غرابة أن نجد أن بداية الكتابة التي تعتبر بداية التاريخ . والأمم التي لم تكتب ولم يكتب عنها ولت ودخلت في ذاكرة النسيان. إن الكتابة رغم أنها ليست للحاضر كما قال عنها بارط في الدرس ” هي موت” في الماضي ، لكنها حضور وانكشاف لهذا الحاضر (هيدجر).
 
         رغم أن ديريدا لم يثق كثيرا في هذا الحضور ، الحضور هنا ،الحضور الذاتي والنهائي للكتابة بل سيبقى يشكك فعلا في نزاهة الكتابة ، وذلك من خلال الرسالة التي وجهها إلى الصديق الياباني”ازوتسو”، والذي تحدث فيها عن التفكيك / الترجمة / الاختلاف..
       المفهوم الذي سيفجر الكتابة من الداخل : الاختلاف كصوت : la différance  نسمع =    كلام   ، لكن في الكتابة الأمر مختلف حيث أننا نسمعها بـ a  ونكتبها بـ e  la différence : . وهنا يعيد ديريدا السؤال، سؤال الكتابة والاختلاف.(2).
إذن نستخلص أن الكتابة لن تكون بعيدة عن الأزمة ، وكل كتابة ليست للأزمة أوعن الأزمة هي كتابة بعيدة عن الأصل. بعيدة عن الأم ، كتابة لا تعتبر عملا جذريا ، إنه استثناء والاستثناء لا يبطل القاعدة. لكننا نتساءل: ما دور الأزمة في الكتابة ؟ والكتابة الفلسفية على الخصوص ؟
 
الكتابة وولادة الأزمة :
         سأبدأ بمقولة شهيرة للكاتب ” أندري جيد” < < بالعواطف النبيلة ينشأ الأدب الرذيء>>
إنها عبارة من كاتب كبير ، عالمي ، ارتبط بالكتابة وبالأزمة ، وعرف روح الكتابة ، إن كل كتابة أدبية/ فلسفية بعيدة عن الأزمة كتابة ساذجة، خارج الكتابة ، وليست داخلها. إن الكتابة الفلسفية كتابة الأزمة، كتابة التراجيديا ، كتابة المأساة ، هذه الكلمة التي أحبها نيتشه وأندري جيد ، كوكول ، دوستوفسكي ، وغيرهم من الكتاب الكبار. إن كل كتابة سعيدة كتابة مفلسة لا هدف لها. ولا روح لها.كل الكتابات لا تقاس بالبلاغة لأنها الوهم ( حسب نيتشه) وإنما تقاس بالحبكة ، هذا المصطلح الأدبي ’ اليولسي / الإشكالي ، الذي ظل مرتبطا بالكتابات القوية . فالكتابات تكون أقوى إذا كان أزمتها قوية ، معقدة / مريضة / كتابية عصابية ، كتابة تخرج من اللوغوس: النظام / العقل  لتدخل في ال’ الميتوس’ méthos الخيال / الأسطورة.. أو الإيروس : الرغبة ، الحب ، الجنس . إنها الخروج من الكتابة ’ الأبولونية ‘ والدخول في ’ الدينوسيسية’ ، بهذا تصل الكتابة إلى القمة، إلى السؤال / الإشكال.
 
الكتابة الفلسفية والإشكال:
        في كتاب جميل للفيلسوف البلجيكي ” مشيل ماير Meyer عنونه بـ ‘ الاستشكال De la problématologie  أو علم السؤال ، إنه فعلا علم السؤال؛ السؤال الفلسفي / سؤال الكتابة ، ليس أمرا عاديا ، السؤال ليس أمرا عاديا كما قال إيريك فايل  ، بل إنه يحمل قصدية ، وسؤال الكتابة يحمل قصدية مهمة ، قصدية كذلك غير عادية ، إنها قصدية الإثارة / الدهشة، من شيء موجود لم ننتبه إليه ، وعندما يوجهنا السؤال إليه نندهش ، عندما نندهش منه فإننا نكتب أي أننا نتفلسف (شوبنهور).
           إن قصدية الكتابة : إثارة مشكل / قضية . ثم الكتابة عن ذلك المشكل كتابة لا تحل المشكل بل تزيد من أزمته وتقوي أسئلته العالمة ! التي تحمل قصدية ،خرجت من البلادة والحس العام أسئلة تزيد الطينة بلة غير عابئة بما يحدث ، أسئلة قلقة وجودية، لا يهمها الجواب، غير متعجلة تنتظر حتى ولو اضطر الأمر إلى الانتظار العمر كله ( هيدجر).
           أسئلة وكتابة / تهدم تفكك ، لكنها تبني كذلك قوتها في الهدم عي قوتها في البناء ، إنها استمرارية لا نهائية جدل / ديالكتيك ، دائم ومستمر في الزمن. يتحرك / يقلب / يسخر كذلك ، ويحرج ، كتابة على شكل منهاج سقراط : كتابة توليدية وكتابة سخرية ، هذه إذن  هيالكتابة الفلسفية ! التي لا كتبة بعدها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الهوامش:
(1) صيدلية أفلاطون : جاك ديريدا ، ترجمة كاظم جهاد ص 45.
(2) انظر كتاب جاك ديريدا ، الكتابة والاختلاف ، ترجمة كاظم جهاد ، تقديم علال سيناصر ، دار توبقال للنشر ط 2000.
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إخترت لكم | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر